التخطي إلى المحتوى

زين العابدين خيرى يكتب عن جودر المصرى.. حين يكون التفاؤل فى محله

زين العابدين خيرى يكتب عن جودر المصرى.. حين يكون التفاؤل فى محله

زين خيري شلبي

منذ الإعلان فى العام الماضى عن البدء فى إنتاج مسلسل جديد مستوحى من حكايات «ألف ليلة وليلة» وأنا على شوق لمشاهدته، والتفاؤل يسبقنى، أما أسباب الشوق فأهمها نسوتالجى خالص- إن جاز التعبير – له علاقة بانتمائى لذلك الجيل الذى كانت فيه «ألف ليلة وليلة» جزءا لا يتجزأ من شهر رمضان، سواء بمسلسلها الإذاعى الشهير الذى كتبه الشاعر الكبير طاهر أبوفاشا، وصوت الراحلة زوزو نبيل ما زال يرن فى أذنى وهى تخرج الحكاية من رحم الأخرى، ثم بتحوّل ذلك المسلسل الإذاعى إلى نسخة تليفزيونية، كانت مقرونة بفوازير رمضان، بطولة شريهان، وقام بالمعالجة التليفزيونية الشاعر والسيناريست الكبير عبدالسلام أمين والإخراج للعبقرى فهمى عبدالحميد، وفيما بين نسختى الإذاعة والتليفزيون، كانت هناك عدة محاولات نجح بعضها ولم يصادف الآخر النجاح، وأهمها نسخة المؤلف الكبير أحمد بهجت والمخرج عبدالعزيز السكرى،التى قام ببطولتها كل من نجلاء فتحى وحسين فهمى، وحققت نجاحا كبيرا.

وأما أسباب التفاؤل فمتعددة، أهمها تصدى أكبر شركات الإنتاج فى مصر لإنتاج العمل وهى الشركة المتحدة- ميديا هب- سعدى- جوهر، وشركة أروما- تامر مرتضى، ولم تبخل الشركات فى الإنفاق على العمل بما يضمن أن يخرج بالشكل الذى يستحقه، ويتناسب مع أسماء كل العاملين فيه، وثانيا أن الإخراج يقوم به واحد من أهم مخرجى الدراما المصرية فى السنوات الأخيرة وهو إسلام خيرى، صاحب الخبرة الكبيرة فى إخراج المسلسلات التى تعتمد على الخدع، منذ عمله الأول «الكبير أوى» الجزء الأول، مرورا بـ«الكابوس»، و«وعد إبليس» و«الشركة الألمانية لمكافحة الخوارق» و«عزمى وأشجان »، وأخيرا «جت سليمة» العام الماضى، والذى يحمل الكثير من أجواء «ألف ليلة وليلة».

يتمثل ثالث الأسباب فى أن التأليف لأديب وسيناريست وكاتب مسرحى متميز هو أنور عبدالمغيث، وأخيرا فإن فريق التمثيل على القدر نفسه من التميز، وعلى رأسه النجم ياسر جلال مع عدد كبير من النجمات والنجوم مثل «نور وياسمين رئيس ووفاء عامر وعبدالعزيز مخيون وأحمد بدير وياسر الطوبجى ووليد فواز وأحمد فتحى ومحمود البزاوى وأيتن عامر ومحمد التاجى ورشوان توفيق ومحمد على رزق وعابد عنانى وجيهان الشماشرجى وغيرهم ».

أما آخر أسباب التفاؤل، فكان شخصيا تماما بأن أتاحت لى الظروف الاطلاع على مشاهد متفرقة من العمل أثناء تصويره، ورأيت كم الجهد والتميز والإبداع الذى يتم تنفيذ العمل به فزاد تفاؤلى وشوقى معا.

والآن وبعد عرض 4 حلقات من المسلسل، أقول مطمئنا إن شوقى لم يخب، وتفاؤلى كان فى محله، فجميع عناصر العمل فى أحسن أحوالها، بداية من التأليف الذى لم يركن إلى سحر الليالى وحده بل قام أنور عبدالمغيث بصياغة قصة جودر ابن عمر المصرى على طريقته الخاصة، مضيفا إليها الكثير من الأحداث والشخصيات والخطوط الدرامية، غير أن القصة نفسها غير مستهلكة ولا أتذكر أنه تم تقديمها من قبل فى أى من المعالجات العديدة لـ«ألف ليلة وليلة »، فجاء النص ممتعا وثريا وفيه من الأدب والحكمة والفلسفة بقدر ما فيه من التمكن من التقنية.

أما ديكورات العمل فتم بناؤها على أفخم ما يكون، وربما سيتفاجأ كثيرون بمعرفة أن كل الديكورات مبنية كالقصر وقاعة الحكم والحارة وبيوتها ومقر الشمعيين وغيرها، وهو مجهود من المشرف الفنى ومصمم الديكور أحمد فايز وفريقه احتاج شهورا لتنفيذ رؤية المؤلف، وبما يتناسب مع الصورة الذهنية لفخامة قصر شهريار فى الليالى الأصلية.

الأمر نفسه ينسحب على الأزياء التى صممتها منى التونسى، لتناسب أجواء العمل المختلفة من حيث الشخصيات وتنوعها واختلاف الطبقات والمجتمعات بل والأجناس التى تنتمى إليها.

كل ذلك لم يكن ليظهر على الشاشة بهذا الجمال لولا براعة مدير التصوير تيمور تيمور، الذى تألق سواء فى المشاهد الداخلية أو فى التصوير الخارجى الذى امتد من حدائق القناطر الممتدة إلى صحراء الفيوم إلى جبال المغرب وكهوفها.

وبالقدر نفسه من الجمال والفخامة جاءت موسيقى التتر لعزيز الشافعى، والموسيقى التصويرية لشادى مؤنس الذى دمج ببراعة موسيقاه الخاصة التى ألّفها للمسلسل من وحى أحداثه التى تتنقل ما بين كل التصنيفات الدرامية من الصراع والتشويق إلى الرومانسية، كما تتنقل من أجواء المحروسة العامرة إلى الجبال والصحراء وعوالم الجن، ودمج كل ذلك مع أجواء الليالى الموسيقية التى كثيرا ما ارتبطت فى أذهان الناس بمقطوعة شهرزاد الشهيرة للموسيقار الروسى كورساكوف، التى وضعها فى القرن التاسع عشر، فجاءت التوليفة على قدر كبير من الجمال.

أما الخدع والمؤثرات البصرية وأعمال الجرافيكس، التى قامت بها شركة أروما فكانت بطلا حقيقيا من أبطال العمل، ولولا أن الشركة لم تبخل عليها بكل ما يتطلبه الأمر من تكاليف ومجهود ووقت، لما خرج المسلسل أبدا بهذا الشكل المبهر.

ربما تكون هذه المرة الأولى التى أشاهد فيها عملا من هذه النوعية، دون أن أشاهد أى مبالغة فى الأداء التمثيلى، حتى ممن اعتادوا على المبالغة فى أدوارهم العادية، فعادة ما تكون مثل هذه الأعمال مغرية لأى ممثل ليتشنج ويعلو صوته وتنتفخ أوردته، ويحمرّ وجهه ويرتفع حاجباه صعودا ونزولا ويشيح بيديه فى كل الاتجاهات، ولكن على العكس تماما جاء التمثيل فى مسلسل جودر هادئا بسيطا وبالقدر الذى تتطلبه الحالة التى يعبر عنها كل مشهد، ولو أردت أن أتوقف عند كل الممثلين المتميزين فى العمل لاحتجت سلسلة من المقالات، ولكنى سأكتفى هنا بالبطل ياسر جلال الذى يؤدى شخصيتين مختلفتين تماما عن بعضهما البعض بهدوء وتمكن شديدين، ومازلت فى انتظار رؤية كيف سيظهر عليه التطور والتأثر فى شخصية شهريار كلما سمع أكثر فى حكاية «جودر» فى حين تثبت نور عملا بعد آخر أنها وصلت إلى درجة عالية من النضج، يجعلها تؤدى كل الأدوار التى تقوم بها باتقان شديد حتى ولو كانت تؤدى شخصية ملكة الشمعيين، بينما تخوض ياسمين رئيس التحدى الأكبر ربما فى تاريخها بأدائها لشخصية شهرزاد، لأنها مضطرة لتقبل مقارنتها بكل الجميلات اللاتى أدّين الشخصية من قبل، ولكنها حتى الآن تلعب الدور بهدوء تام وبغير تصنع أو مبالغة.

ينقلنا الحديث عن الأداء التمثيلى الهادئ غير المصطنع أو المبالغ فيه انسجاما مع كل عناصر العمل السابقة إلى صاحب الرؤية الشاملة لكل ذلك، المايسترو، المخرج إسلام خيرى، والحقيقة أن شهادتى فى «إسلام» مجروحة مهما ادعيت من موضوعية، ولكنه فى «جودر» يثبت من جديد جدارته كواحد من أهم مخرجى الدراما فى مصر حاليا، فما من فرصة أتيحت له إلا واستغلها أفضل استغلال على قدر الإمكانيات، وها هو حين توفرت له إمكانيات أعلى من كل ما قدم سابقا، وصل بالعمل إلى القمة، فهو مخرج صاحب رؤية حقيقية، ولا يكتفى ببراعته فى التكنيك بل هو شريك أساسى فى كل عناصر العمل، يمارس الإخراج كما يقول الكتاب بأن المخرج هو رب العمل، فلا صورة ولا صوت ولا موسيقى ولا كتابة ولا تمثيل ولا أى عنصر إلا ويتماشى مع رؤيته التى وضعها للعمل من البداية، وهو يدير كل ذلك ببراعة وسلاسة ودون أن تطغى رؤيته على أى عنصر بما يمنع عنه الحرية الكاملة للإبداع.

إننى أستمتع حقا بمشاهدتى الحالية لجودر المصرى، وأتمنى أن يتحقق توقعى بأن تزداد المتعة مع اشتعال الصراع وتصاعد الأحداث فى الحلقات المقبلة.

شاهد المزيد من أخبار مسلسلات رمضان 2024 عبر بوابة دراما رمضان

زين العابدين خيرى يكتب عن جودر المصرى.. حين يكون التفاؤل فى محله

مصدر الخبر